أفعال تباح في الصلاة

منزلة الصلاة .. فإنَّ الصلاة عمادُ الدِّين ، وركنُ الإسلام الأعظم ، مَن حافظ عليها ، وأدَّاها في أوقاتها ، معتنيًا بأركانها ، وسُننها وآدابها ، يُرْجَى أن يكون من عباد الله الصالحين في الدنيا والمقبولين يوم القيامة .

The status of prayer .. For prayer is the pillar of religion, and the greatest pillar of Islam. Whoever preserves it and performs it on time, taking care of its pillars, laws and etiquette, it is hoped that he will be one of the righteous servants of God in this world and accepted on the Day of Resurrection.


أفعال تباح في الصلاة

منزلة الصلاة :

فإنَّ الصلاة عمادُ الدِّين، وركنُ الإسلام الأعظم، مَن حافظ عليها، وأدَّاها في أوقاتها، معتنيًا بأركانها، وسُننها وآدابها، يُرْجَى أن يكون من عباد الله الصالحين في الدنيا والمقبولين يوم القيامة، فعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ -تَعَالَى-؛ مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ؛ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ؛ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» [سنن أبي داود 425 وصححه الألباني].

ومما يشير إلى علوّ منزلة ومكانة المحافظين على صلاتهم مع قيامهم بأركان الدِّين ما ثبت عن عمرو بن مُرَّة الجهني -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدتُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليتُ الصلوات الخمس، وأديتُ الزكاة، وصمتُ رمضان وقمته، فمِمَّن أنا؟ قال: “من الصِّدِّيقين والشهداء”. [صحيح ابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الترغيب ح 1003].

وللصلاة أحكام كثيرة، فلها أركان لا تصح إلا بها، ولها سُنَن ينبغي لكل عبد أن يحرص عليها لتزكو صلاته ويقبلها الله -تعالى-، ولها آداب يَجْمل بالعبد المُعلّق قلبه بربه أن يكون حريصًا عليها، لينال أجر صلاته كاملاً، وليخرج منها رابحًا.

مباحات الصلاة :

وإن من الأمور التي ينبغي الاعتناء بها والعلم بها: مباحات الصلاة، أو الأعمال المباحة أثناء الصلاة، ولا شك أن معرفة هذه المباحات تُعين العبد على إحسان صلاته وإتقانها إذا احتاج لشيء منها، وكذلك تجعله لا يسيء الظن بالمسلمين.

جدير بالذكر أن هذه الأفعال المباحة في الصلاة لا تبطلها إذا قلَّت أو تفرَّقت، وفعل النبي ﷺ بعض هذه الأفعال عند الحاجة أو بيانًا للجواز، وإن كان الأولى والأكمل والأفضل تمام الخشوع والخضوع واستحضار روح الصلاة، وتعظيم قَدْر الصلاة.

ومباحات الصلاة يشترط فيها ألا يتحول المُصَلِّي ببدنه عن اتجاه القبلة، وأن تكون هذه الحركات والأفعال الهدف منها إصلاح صلاته ليتفرغ لها، ويخشع فيها، وهذه الأمور ليست من باب تتبُّع رُخَص العلماء، وإنما هي أمورٌ ثابتة في أحكام الصلاة نجمعها في مكان واحد للتعليم.

وليس المراد من ذِكْر هذه المباحات تركيز المصلي على ما يُبَاح له فِعْله في الصلاة، ثم يبادر إلى فِعْل كثيرٍ من هذه المباحات بحجة أنها أمور يباح له فعلها في الصلاة، وإنما ليتعلم هذه الأمور حتى إذا احتاج شيئًا منها فعله دون حرج.

ومن أهم المباحات في الصلاة :

1. يُباح المَشْي اليسير في الصلاة لسبب يقتضيه :

فعن عائشة -رضي الله عنها- قالَتْ: “كان رسولُ الله ﷺ يصلِّي في البيت والبابُ عليه مغلق، فجِئتُ فاستفتحتُ، فمشى ففتح لي، ثم رجعَ إلى مُصلاَّه” – ووصفت أنَّ الباب في -اتجاه- القِبْلة. [رواه أبو داود (922)، والترمذي (601)، وحسَّنَه]. ومعنى أن الباب في القبلة، أي جهتها. فهو لم يتحوَّل عن القِبْلة حينما تقدم لفتح الباب وحينما رجع إلى مكانه.

المشي للخلف في الصلاة :

وكما يجوز المشي للأمام، يجوز المشيُ للخلف لعِلَّة تَحدث، فعَنْ أنس بن مالك -رضي الله عنه- “أنَّ المسلمين بينما هم في صلاة الفَجْر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلِّي بهم، لَم يفجَأْهم إلاَّ رسول الله ﷺ قد كشفَ سِتْر حُجرة عائشة، فنظَر إليهم وهم صفوفٌ في الصلاة، ثم تبسَّم، فنكصَ أبو بكرٍ على عقبَيْه- (يعني رجع للوراء أثناء ركوعه وهو مازال في اتجاه القبلة)- لِيَصِل الصَّف، وظنَّ أن رسول اللهﷺ يريد أن يَخْرج إلى الصلاة، فأشار إليهم رسولُ الله ﷺ بيده أنْ أتِمُّوا صلاتَكم”[صحيح البخاري: 1205].

المشي نحو السترة في الصلاة :

وكذلك من يمشي خطوات من أجل أن يقترب من السترة (حائط مثلاً أو عمود) حتى لا يمر أحدٌ من بين يديه وهو يصلي، ولكن يُشترط في المشي أثناء الصَّلاة ألاَّ ينحرف ببدنه عن القِبْلة، سواء كان المشي للأمام أو للخلف أو بأخْذ خطوة أو خطوات إلى اليمين أو الشمال، المهم ألاَّ ينحرف ببدنه عن القِبْلة.

2. يُباح حَمْل الأطفال في الصلاة :

يجوز حمل الطفل للحاجة، خاصة إذا كان صغير السن كثير البكاء، فعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: “رأيتُ النبِيَّ ﷺ يؤمُّ النَّاس، وعلى عاتقِه أمامةُ بنت زينب، فإذا ركَع وضَعها، وإذا رفع من السُّجود أعادَها” [صحيح البخاري 516، ومسلم 543] ولكن بشرط أن نتأكد أن ملابسهم لا يوجد فيها نجاسة.

قال النووي: “هذا يدل لمذهب الشافعي -رحمه الله تعالى- ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان الطاهر في صلاة الفرض وصلاة النفل، ويجوز ذلك للإمام والمأموم” [فقه السنة 1/ 263].

3. يُباح قَتْل الحيَّة والعقرب في الصلاة :

فقد أمرَ رسول الله ﷺ بِقَتْل الأسودَيْن في الصلاة: العقرب والحية [سنن أبي داود 921، والترمذي 390، وصحَّحه الألباني]، وكذلك كان يأمر ﷺ بِقَتْل الحدأة، والغُراب، والفأرة، والكلب العَقُور في الصَّلاة وغيرها [صحيح مسلم 1198].

قال ابنُ حزم: “فإن تأذَّى بِوَزغَة – وهو المعروف بالبُرص – أو برغوث أو قملة، فواجبٌ عليه دفْعُهنَّ عن نفسه، فإنْ كان في دفعه قتْلُهن دون تكلُّفِ عمَلٍ شاغل عن الصلاة، فلا حرجَ في ذلك”[المُحلى: 3/ 120].

4. يُباح الالتفات في الصلاة للحاجَة :

فعن جابرٍ -رضي الله عنه- قال: اشتَكى – أي: مرض- رسولُ الله ﷺ فصَلَّيْنا وراءه وهو قاعد، فالتفَتَ إلينا، فرآنا قيامًا، فأشار إلينا، فقعَدْنا. [صحيح مسلم: 413] .. وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَلْحَظُ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. [سنن الترمذي 587، وصححه الألباني].

ما حكم الالتفات في الصلاة لغير حاجة ؟

وأمَّا إذا كان الالتفاتُ في الصلاة لغير حاجةٍ، فإنَّه مكروه؛ لأنَّه يُنافي الخشوع، وقد سُئِل رسول الله ﷺ عن الالتِفات في الصلاة، فقال: “اختِلاسٌ يَخْتلسه الشَّيطان من صلاة العبد” [صحيح البخاري: 751]، وهذا الالتفاتُ المكروه يكون بالوَجْه؛ بشرطِ عدَمِ التحوُّل بالبدَن؛ فإنْ تَحوَّل ببدنه عن القِبْلة، بطلَتْ صلاتُه اتِّفاقًا؛ ففي الحديثِ “أنَّ الله أمرَ يَحْيَى بن زكريَّا بِخَمْس كلمات أن يعمل بهن، وأن يَأْمر الناس أن يعملوا بهنَّ – وفيه: – وإنَّ الله أمرَكم بالصلاة، فإذا صلَّيتُم، فلا تلتفتوا؛ فإنَّ الله ينصبُ وجهه لوجه عبده ما لم يلتَفِت”[سنن الترمذي 2863، وصححه الألباني] .. قال الشيخ سيد سابق: “هذا كله في الالتفات بالوجه، أما الالتفات بجميع البدن والتحول به عن القبلة فهو مبطل للصلاة اتفاقًا؛ للإخلال بواجب الاستقبال” [1/ 261].

5. يُباح البكاء والأنين في الصلاة :

فقد كان رسولَ الله ﷺ يُصلِّي وفي صَدْره أزيزٌ كأزيز المِرْجَل من البكاء”[سنن أبي داود 904، وصححه الألباني] .. وعن عليِّ بن أبي طالبٍ -رضي الله عنه- قال: “ما كان فينا فارِسٌ يوم بَدْر غير المِقْداد، وما فينا قائمٌ إلاَّ رسول اللهﷺ تحت شجرةٍ يُصلِّي ويَبْكي حتَّى أصبح” [صحيح ابن خزيمة 899، وابن حبان 2257] .. وعن ابن عُمَر -رضي الله عنه-ما قال: لما اشتدَّ برسول الله ﷺ وجَعُه، قيل له: الصَّلاة، قال: “مُروا أبا بكرٍ يُصلِّي بالناس”، فقالت عائشة: إنَّ أبا بكرٍ رجلٌ رقيق؛ إذا قرأَ غلَبَه البكاء، فقال: “مُروه فلْيُصلِّ…”؛ الحديث [صحيح البخاري 716، ومسلم 418].

6. يُباح التسبيح للرجال، والتصفيق بالأيدي للنِّساء :

فقد قال النبِيِّ ﷺ : “مَن نابَه شيءٌ في صلاته، فلْيُسبِّح؛ فإنَّما التَّصفيق للنِّساء”[البخاري 1203، ومسلم: 422] .. قال الشوكانيُّ -رحمه الله-: “قوله: “مَن نابه شيء في صلاته”؛ أي: نزلَ به شيءٌ مِن الحوادث والمهمَّات، وأراد إعلامَ غيره، كإذنِه لداخلٍ، وإنذاره لأعمى، وتنبيهِه لساهٍ أو غافل” [نيل الأوطار 2/ 372]، كل ذلك يعني جواز التسبيح للرجال أو التصفيق للنساء.

7. يُباح الفَتْح على الإمام (يعني رَدُّهُ إذا أُشْكِلَ عليه أثناء القراءة) :

فعن ابن عُمَر -رضي الله عنهما- أنَّ النبي ﷺ صلَّى صلاةً فقرأ فيها، فلُبِّس عليه – (يعني أُشْكِلَ عليه أثناء القراءة)-، فلمَّا انصرَف، قال لأبي: “أصلَّيتَ معَنا؟”، قال: نعَم، قال: “فما منَعَك؟” [رواه أبو داود 907]؛ يعني: ما منعك أن تردّني حين أُشْكِلَ عليَّ أثناء القراءة؟.

8. تُباح الإشارة في الصَّلاة لردِّ السلام :

يَجوز للمُصلِّي أن يرُدَّ السَّلام بالإشارة، فعَن ابن عمر -رضي الله عنه-ما قال: “قلتُ لبلالٍ: كيف كان رسولُ الله ﷺ يردُّ عليهم حين كانوا يُسلِّمون عليه وهو في الصَّلاة؟ قال: يُشير بيده” [رواه أبو داود 927، والترمذي 368، وصححه الألباني].

كيفية رد السلام باليد في الصلاة :

وطريقة الإشارة في الصلاة أن يَجْعل كفَّ يَدِه إلى الأرض، وظَهْرها إلى أعلى، وكما تكون الإشارةُ باليد، تكون كذلك بالإصبع (وذلك بأنْ يشير بأصبعه كما يشير في التشهد).

9. تُباح الإشارة المفهومة عن المصلي للحاجة تَعْرِض له :

عن أمِّ سلمة -رضي الله عنه-ا قالت: “سمعتُ رسول الله ﷺ يَنْهى عن الرَّكعتين بعد العصر، ثم رأيتُه يُصلِّيهما حين صلَّى العصر، ثم دخل عليَّ وعندي نسوةٌ من بني حرام، فأرسلتُ إليه الجارية، فقلتُ: قُومي بجنبه وقولي له: تقول لك أمُّ سلمة: يا رسول الله، سمعتُك تنهى عن هاتَيْن، وأراك تصلِّيهما؟ فإنْ أشار بيده، فاستَأْخِري عنه، ففعلَت الجاريةُ، فأشار بيده، فاستأخرَتْ عنه، فلمَّا انصرف قال: “يا بنتَ أبي أميَّة، سألتِ عن الرَّكعتين بعد العصر، فإنَّه أتاني ناسٌ من بني عبد قيس، فشغَلوني عن الرَّكعتين اللَّتين بعد الظُّهر، فهما هاتين”[صحيح البخاري 1233، ومسلم 834].

مواقف عن الصحابة في الإشارة المُفهِمة أثناء الصلاة :

  • عن عائشة أمَّ المؤمنين -رضي الله عنها- أنها كانت تَأْمر خادِمتَها أن تقسم المرقَة، فتمرُّ بها وهي في الصَّلاة، فتشير إليها أن زيدي، وتأمر بالشَّيء للمسكين تومئ به – (أي: تشير إليه) – وهي في الصَّلاة.
  • وعن خَيْثمة بن عبدالرحمن قال: رأيتُ ابن عمر يشير إلى أوَّل رجلٍ في الصَّف – ورأى خلَلاً – أنْ تقدَّمْ.
  • وعن عائشة أمِّ المؤمنين -رضي الله عنها- أنَّها قامت إلى الصَّلاة في دِرْع وخِمار، فأشارَتْ إلى الملحفَة فناولَتْها، وكان عندها نِسْوة، فأومأَتْ – (أي: فأشارت) – إليهنَّ بشيءٍ من طعامٍ بيدها؛ (يعني: وهي تُصلِّي).
  • وعن أبي رافعٍ قال: كان يَجِيء الرَّجُلان إلى الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ وهو في الصَّلاة، فيُشْهِدانه على الشَّهادة، فيُصْغي لها سَمْعَه، فإذا فرَغا يومئ برأسه؛ أيْ: نعَم.

[هذه الآثار أوردها ابنُ حزم في “المحلى” (3/ 115 – 116)، وأورد غيرها أيضًا وبعضها في “مصنَّف عبدالرزَّاق”، وأسانيدها صحيحة].

10. يجوز أن يَحْمد الله إذا رأى أو سَمِع ما يوجب عليه ذلك الحمد :

عن سهلِ بن سَعْد -رضي الله عنه- قال: “كان قتالٌ بين بني عَمْرو بن عوف، فبلغَ ذلك النبِيَّ ﷺ فصلَّى الظُّهر، ثم أتاهم لِيُصلح بينهم، ثم قال لبلالٍ: «يا بلال، إذا حضرَتْ صلاةُ العصر ولَمْ آت، فمُرْ أبا بَكْر فلْيُصلِّ بالناس»، فلمَّا حضرَت العصر أذَّن بلالٌ ثم أقام، ثم قال لأبي بكر: تقدَّم، فتقدَّمَ أبو بكر، فدخلَ في الصلاة، ثم جاء رسولُ الله ﷺ فجعل يشقُّ النَّاسَ حتَّى قام خلفَ أبي بكر، قال: وصفَّح النَّاس – (يعني صفقوا بأيديهم في الصلاة، وهذا قبل أنْ يخبرهم النبي ﷺ أنَّ التسبيح للرجال)-، قال سهلِ بن سَعْد: وكان أبو بكرٍ إذا دخلَ في الصلاة لا يلتَفِت، فلمَّا رأى أبو بكرٍ التَّصفيح لا يمسك عنه -(يعني لا يتوقف)-، التفَت، فأومأ – (أي: فأشار) – إليه رسولُ الله ﷺ أيِ: امْضِ، فلمَّا قال – (يعني فلما أشار إليه) -، ثبتَ أبو بكر هُنَيهة – (أي: قليلاً من الوقت) -، يَحْمد الله على قول رسول الله ﷺ: «امْضِه»…” الحديث [صحيح البخاري 684، ومسلم 421]، وفيه دليلٌ على جواز حَمْد الله في الصلاة.

هل يحمد الله من عطس في الصلاة ؟

ولكن هل يجوز أن يَحْمد الله في الصَّلاة إذا عطس؟! ذهبَ الشوكانِيُّ في “نَيْل الأوطار” إلى جواز ذلك، وقال ابنُ حزم رحمه الله: “في هذا الحديث – السابق – إباحةُ التَّسبيح على كلِّ حال، وإباحةُ حَمْد الله تعالى على كلِّ حال” [المُحلَّى 3/ 110].

11. يُباح البصق عن شماله وهو في الصلاة :

فقد قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحَدُكم إلى الصَّلاة، فلا يَبْصق أمامَه؛ فإنه يُناجي ربَّه ما دام في مُصلاَّه، ولا عن يمينه؛ فإنَّ عن يمينه ملَكًا، ولْيَبْصق عن شماله، أو تحت رِجْله فيدفنه» [صحيح البخاري 416].

وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: “أتانا رسولُ الله ﷺ في مسْجِدنا هذا، وفي يَدِه عرجون ابن طاب – (وهو ما يُعرَف بـ (المقشَّة» -، فرأى نُخامة في المسجد قبلة المسجد، فأقبلَ عليها، فحَكَّها بالعُرجون، ثم أقبل علينا، فقال: «أيُّكم يحبُّ أن يُعْرِض الله عنه؟» قال: فخشَعْنا، ثم قال: «أيُّكم يحبُّ أن يُعرِض الله عنه؟»، فقلنا: لا أيُّنَا يا رسول الله، قال: «إنَّ أحدكم إذا قام يصلِّي، فإنَّ الله قِبَلَ وجهه، فلا يبصق قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يَساره تحت رجله اليُسْرى، فإن عجلت به بادرة – (يعني سبقته على ثوبه أثناء السعال أو العطس) -، فلْيَقل – (يعني فليفعل) – بثوبه هكذا»، ورَدَّ بعضه على بعض” – (يعني كأنه يحُكّهَا بثوبه)[صحيح مسلم 3008] (وكذلك يجوز أنْ يَحُكَّها بمنديل أو غيره).

هل يجوز البصق في المسجد إذا كان مفروشًا بالسجاد ونحوه ؟

إذا عرَض للمصلي حاجة إلى التفل واحتاج إلى البصق، يُبَاح له فعل ذلك بضوابطه بحيث لا يؤذي المصلين، ولا يلوث المسجد، فإذا كان يصلّي في فلاة أو مكان غير مفروش -كما كان مسجد النبي ﷺ مفروشاً بالحصى- فيباح له البصق عن يساره أو تحت قدمه، ثم يدفنه، وأما إذا كان يصلي في مسجد مفروش بسجاد أو نحوه، فليبصق في منديل ورقي، ثم يستكمل صلاته.

12. يُباح أن يمنع من يمر بين يديه وهو يصلِّي :

على المصلِّي أن يَمْنع مَن يَمرُّ بين يديه؛ حتَّى لا يَقْطع عليه صلاته؛ فقد قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أحَدُكم يُصلِّي، فلا يدَعْ أحدًا يمرُّ بين يدَيْه، ولْيَدرأه – (يعني ليدفعه) – ما استطاع، فإنْ أبَى فلْيُقاتله؛ فإنَّما هو شيطان» [صحيح البخاري 509، ومسلم 505]، ويكون ذلك بالتدريج، يعني يكون الدفع أوَّلاً برفق، فإن لم يستجب وأصر على المرور فإنه يزيد قوة الدفع قليلا، وهكذا إلى أن ينتهي عن المرور بين يديه.

13. رفع الرأس من السجود للتحقق من الأمر إذا أطال الإمام :

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي، وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ؟ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ” [سنن النسائي 1141، وصححه الألباني].

14. حمل المصحف والقراءة منه للإمام والمأموم في صلاة النافلة :

يجوز القراءة من المصحف للإمام والمأموم سواء بحمله أو النظر فيه؛ فإن ذكوان مولى عائشة كان يؤمها في رمضان من المصحف، رواه مالك. وهذا مذهب الشافعية. قال النووي: “ولو قلب أوراقه أحيانًا في صلاته لم تبطل، ولو نظر في مكتوب غير القرآن وردد ما فيه في نفسه لم تبطل صلاته وإن طال، لكن يكره”.[فقه السنة 1/ 267].

15. يباح التَّرويح لمن آذاه الحَرُّ، وإزالة ما يشغله ويؤذيه :

يباح التَّرويح لمن آذاه الحَرُّ (سواء كان الترويح بيده أو بضغطة على زر لـ (مكيف) أو (مروحة) بجانبه أو أمامه بدون أن يتحول ببدنه عن اتجاه القبلة) ، وكذلك مَسْح العَرَق وهو في الصلاة، وكذلك تباح كل حركة فيها إصلاحٌ لصلاته حتى يتفرغ لها ويخشع فيها ، بشرط ألا يتحول ببدنه عن اتجاه القبلة.

قال ابنُ حزم رحمه الله: “ومِن ذلك إماطته عنه كلَّ ما يؤذيه ويَشْغله عن توفية صلاته حقَّها، وكذلك سقوطُ ثوبٍ أو حَكُّ بدَن، أو قلع بثرة – (يعني دمّل أو خراج)- …، إذا كان كلُّ ذلك يؤذيه، فواجِبٌ عليه إصلاحُ شأنه؛ لِيَتفرَّغ لصلاته، ومن رَكبَ على ظهره صغيرٌ وهو يصلِّي فتوقَّف لذلك، فحسَن، ومن استرابَ بِتَطويل الإمام في سجوده فلْيَرفع رأسَه؛ لِيَستعلم هل خَفِي عنه تكبيرُ الإمام أوْ لا؛ لأنَّه مأمورٌ باتِّباع الإمام؛ فإنْ رآه لَم يرفَعْ، فلْيَعُد إلى السُّجود ولا شيء عليه؛ لأنَّه فعلَ ما أُمِر به من مُراعاة حال الإمام.

16. أمور أخرى تباح في الصلاة :

  • وكذلك يباح في الصَّلاة تَحْريك مَن خَشِي المصلِّي نومَه، وإدارةُ مَنْ كان على يسار إمامٍ إلى يمينه.
  • ويَدْعو المُصلِّي في صلاته؛ في سُجوده، وقيامه – (أي في دعاء القنوت) – ، وجُلوسه – (أي بعد التشهد) – بما أحبَّ مما لَيْس بِمَعصية، ويُسمِّي في دعائه مَن أحبَّ، فقد دعا رسولُ الله ﷺ على عُصَيَّة ورعْل وذَكْوان، ودعا للوليد بن الوليد، وعيَّاش بن أبي عياش، وسلَمة بن هشام يُسمِّيهم، وما نَهى – عليه السَّلام – قَطُّ عن هذا.
  • وكلُّ مُنكَرٍ رآه المَرْء في صلاته مَفْروضٌ عليه إنكارُه – (كأن يشير بيده أو يسبح) – ولا تنقَطِعُ بذلك صلاتُه؛ لأنَّ الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المُنكَر حقٌّ، وفاعل الحقِّ مُحْسِن، ما لَمْ يمنع نصٌّ أو إجماع شيئاً من ذلك.
  • ويباح للمصلي كذلك إطفاءُ النَّار المشتَعِلة، وإنقاذُ الصَّغير والمَجْنون والمُقْعَد والنَّائم من نار، أو من سَبُع، أو إنسانٍ عادٍ، أو من سَيْل، ….” [يراجع في ذلك المحلى” لابن حزم (3/ 119 – 436) بتصرف].

وكل ما سبق يشترط فيه ألا يتحول ببدنه عن اتجاه القبلة، وأن تكون هذه الحركة فيها إصلاح لصلاته ليتفرغ لها، ويخشع فيها.

ملخص الأفعال المباحة في الصلاة :

وقد لخص ابن القيم بعض الأفعال المباحة في الصلاة فقال: “وَكَانَ ﷺ يُصَلّي وَعَائِشَةُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَهَا بِيَدِهِ فَقَبَضَتْ رِجْلَيْهَا وَإِذَا قَامَ بَسَطَتْهُمَا .وَكَانَ ﷺ يُصَلّي فَجَاءَهُ الشّيْطَانُ لِيَقْطَعَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ فَأَخَذَهُ فَخَنَقَهُ حَتّى سَالَ لُعَابُهُ عَلَى يَدِهِ . وَكَانَ يُصَلّي عَلَى الْمِنْبَرِ وَيَرْكَعُ عَلَيْهِ فَإِذَا جَاءَتْ السّجْدَةُ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمّ صَعِدَ عَلَيْهِ . وَكَانَ يُصَلّي إلَى جِدَارٍ فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ تَمُرّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يُدَارِئُهَا حَتّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِالْجِدَارِ وَمَرّتْ مِنْ وَرَائِهِ . يُدَارِئُهَا : يُفَاعِلُهَا مِنْ الْمُدَارَأَةِ وَهِيَ الْمُدَافَعَةُ .

وَكَانَ يُصَلّي فَجَاءَتْهُ جَارِيَتَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ قَدْ اقْتَتَلَتَا فَأَخَذَهُمَا بِيَدَيْهِ فَنَزَعَ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى وَهُوَ فِي الصّلَاةِ وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِيهِ فَأَخَذَتَا بِرُكْبَتَيْ النّبِيّ ﷺ فَنَزَعَ بَيْنَهُمَا أَوْ فَرّقَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَنْصَرِفْ، وَكَانَ يُصَلّي فَمَرّ بَيْنَ يَدَيْهِ غُلَامٌ فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَرَجَعَ وَمَرّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ جَارِيَةٌ فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَمَضَتْ، فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللّهِ ﷺ قَالَ هُنّ أَغْلَبُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَهُوَ فِي ” السّنَنِ”.

وَكَانَ يَنْفُخُ فِي صَلَاتِهِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَهُوَ فِي السّنَنِ”. وَأَمّا حَدِيثُ النّفْخُ فِي الصّلَاةِ كَلَامٌ فَلَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ ﷺ وَإِنّمَا ابْنِ عَبّاسٍ -رضي الله عنه-مَا مِنْ قَوْلِهِ إنْ صَحّ .

[الْبُكَاءُ وَالنّحْنَحَةُ] وَكَانَ يَبْكِي فِي صَلَاتِهِ وَكَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ. قَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه- كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللّهِ ﷺ سَاعَةٌ آتِيهِ فِيهَا فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْت فَإِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلّي فَتَنَحْنَحَ دَخَلْت وَإِنْ وَجَدْته فَارِغًا أَذِنَ لِي ذَكَرَهُ النّسَائِيّ وَأَحْمَدُ وَلَفْظُ أَحْمَدَ : كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللّهِ ﷺ مَدْخَلَانِ بِاللّيْلِ وَالنّهَارِ وَكُنْتُ إذَا دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلّي تَنَحْنَحَ رَوَاهُ أَحْمَد ُ وَعَمِلَ بِهِ فَكَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ وَلَا يَرَى النّحْنَحَةَ مُبْطِلَةً لِلصّلَاةِ .

[الْحَفْيُ وَالِانْتِعَالُ] وَكَانَ يُصَلّي حَافِيًا تَارَةً وَمُنْتَعِلًا أُخْرَى كَذَلِك قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْهُ وَأَمَرَ بِالصّلَاةِ بِالنّعْلِ مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ.

[الصّلَاةُ بِالثّوْبِ الْوَاحِدِ] وَكَانَ يُصَلّي فِي الثّوْبِ الْوَاحِدِ تَارَةً وَفِي الثّوْبَيْنِ تَارَةً وَهُوَ أَكْثَرُ” [زاد المعاد 1/ 258].

الخاتمة :

لا شك أنَّ الخشوع هو روح الصلاة، وسرّ قبولها، وسببُ الفوز بأرفع درجاتها، وعلى العبد أن يجاهد نفسه دائمًا للوصول إلى الخشوع في الصلاة، والتفكر في الآيات وتعظيم الله ربّ العالمين، فذِكْر الله في الصلاة والقرب منه واستشعار عظمته واللجوء إليه من مقاصد الصلاة العظمى. وقد تَعْرِض للمُصلِّي بعض الأمور التي قد تؤثر على خشوعه، ومن رحمة الله أن أباح لنا مثل هذه الأمور المباحة في الصلاة رحمةً بنا وتيسيرًا علينا، فلا ينبغي للعبد أن يترخص في هذه المباحات من غير حاجة، وإنما يلجأ إليها للضرورة ولا تكون عادةً له. ونسأل الله أن يفقهنا في ديننا، ويتقبل منا صلاتنا، ويهدينا سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.

المصدر : موقع مصلحون


المكتبة المدنية التعليمية تشتمل على اقسام خاصة لمختلف مناهج المراحل الدراسية في المملكة العربية السعودية والدول العربية من مرحلة رياض الأطفال وحتى المرحلة الجامعية وفي كل قسم هناك مراجع وكتب وشروحات وملخصات تساعد الطلاب في دراستهم ونسعى من خلال موقعنا على توفير كل ماهو جديد ومفيد لمنسوبي وزارة التعليم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *